في ذاكرة الوطن (2) فكر ورؤية الملك عبدالعزيز في بناء الدولة بعد التوحيد

إعلان داخل المقالأضف إعلان Google AdSense أو بانر من: المظهر ← ودجات

«حين انتهت معركة توحيد الأرض.. وبدأت معركة بناء الدولة»

في المقال الأول من «في ذاكرة الوطن» وقفنا عند صباح الأول من الميزان عام 1351هـ، حين اجتمعت البلاد تحت اسم واحد: المملكة العربية السعودية.

لكن الإعلان لم يكن نهاية قصة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله.

بل يمكن النظر إليه بوصفه بداية فصل جديد منها.

صورة تاريخية لمجموعة من الرجال في خيمة، يظهر فيها رجل يجلس على أريكة ويقرأ مطبوعة، بينما يقف رجل آخر بجانبه ورجل ثالث يرتدي عباءة ويتحدث.

فالرجل الذي أمضى عقودًا في توحيد أجزاء البلاد، كان أمام تحدٍ من نوع آخر: كيف تتحول هذه المساحة الواسعة، بتنوع مناطقها وظروفها واحتياجاتها، إلى دولة واحدة تعمل مؤسساتها ضمن إدارة منتظمة؟

وهنا تظهر صفحة لا تقل أهمية عن صفحة التوحيد في سيرة الملك المؤسس:

صفحة بناء الدولة.

من منطق التوحيد إلى منطق الدولة

لم يبدأ البناء الإداري في الثالث والعشرين من سبتمبر 1932م فجأة؛ فقد شرع الملك عبدالعزيز في إنشاء مؤسسات وتنظيمات حديثة قبل إعلان المملكة بسنوات، ثم استمر في تطويرها بعد التوحيد.

وهذه نقطة مهمة لفهم فكر عبدالعزيز في بناء الدولة.

فهو لم ينتظر اكتمال التوحيد ليبدأ التنظيم، ولم يهدم ما وجده من نظم إدارية في المناطق التي دخلت تحت حكمه ليبدأ من الصفر؛ وإنما اتجه إلى التدرج، والاستفادة مما هو قائم، ثم تطويره وربطه بسلطة الدولة الجديدة. ويظهر ذلك بوضوح في تجربة الحجاز، حيث بدأت التشكيلات الحكومية تتطور تدريجيًا إلى مجالس وأجهزة أكثر تنظيمًا. سعوديبيديا

كانت تلك رؤية عملية جدًا:

وحدة في الدولة، وتدرج في بنائها.

وهذا ربما يفسر كيف استطاعت دولة ناشئة، في ظروف اقتصادية وجغرافية صعبة، أن تبدأ تكوين جهازها الإداري دون أن تنتظر اكتمال كل مقومات الدولة الحديثة دفعة واحدة.

الشورى.. الحاكم لا يرى كل شيء

اجتماع تاريخي في غرفة مزينة بستائر مزخرفة، حيث يجلس رجال يرتدون ملابس تقليدية سعودية حول طاولة صغيرة. يظهر في الخلفية ساعة جدارية وهاتف قديم.

ومن أكثر ما يكشف طريقة تفكير الملك عبدالعزيز موقفه من الشورى.

فعندما دخل مكة المكرمة، جمع العلماء والأعيان، وبدأت تجربة المجلس الأهلي الذي تطور لاحقًا إلى مجلس الشورى. وفي عام 1346هـ/1927م بدأ مجلس الشورى بصورته التنظيمية الجديدة، وتولى النظر في عدد كبير من شؤون الدولة، من الميزانيات والمشروعات إلى الأنظمة والامتيازات والقضايا التنظيمية. سعوديبيديا

والأهم من وجود المجلس نفسه هو الفكرة التي كانت خلفه.

فقد نُقل عن الملك عبدالعزيز في حديثه لأهل مكة إقراره بأن اتساع البلاد وكثرة شؤونها يجعلان من الصعب أن يقف الحاكم بنفسه على كل أحوال الناس، ولذلك أكد حاجته إلى مشورتهم في شؤونهم. سعوديبيديا

إنها فكرة تبدو بسيطة، لكنها جوهرية في إدارة الدولة:

كلما اتسعت مسؤولية الحاكم، ازدادت حاجته إلى الرجال وأهل الخبرة والرأي.

ولذلك لم يكن المستشار في مجلس عبدالعزيز مجرد شخص يجلس قريبًا من الملك، بل كان جزءًا من عملية إدارة دولة تتسع أعمالها يومًا بعد آخر.

الدولة ليست ملكًا فقط.. الدولة مؤسسات

كان من الممكن أن تبقى شؤون البلاد مرتبطة مباشرة بالملك ورجاله المقربين، لكن المسار التنظيمي اتجه شيئًا فشيئًا إلى تحويل الأعمال إلى مؤسسات ذات اختصاصات محددة.

نشأ مجلس الشورى، وتطور مجلس الوكلاء، وتوسعت الوزارات والإدارات الحكومية. وعند إعلان التوحيد كانت هناك ثلاث وزارات هي الخارجية والمالية والداخلية، ثم توسع الجهاز الحكومي، وظهرت أجهزة ووزارات أخرى للصحة والمواصلات والمعارف والحج والبترول والمعادن وغيرها. وفي أواخر حياة الملك عبدالعزيز صدر أمر إنشاء مجلس الوزراء عام 1373هـ/1953م. سعوديبيديا

وهكذا بدأ يتشكل مفهوم بالغ الأهمية:

أن الدولة لا ينبغي أن تتوقف أعمالها على شخص واحد، وإنما تقوم على أجهزة وأنظمة ومسؤوليات.

فالوزارة تعرف مجالها، والدائرة تعرف اختصاصها، والمجلس يناقش، والمسؤول يتحمل مسؤولية عمله.

وبذلك كان بناء المؤسسة امتدادًا لبناء الوحدة.

الأمن أول العمران

صورة تاريخية لرجلين يجلسان مع مجموعة من الرجال يرتدون الملابس التقليدية العربية، بينما يجلس أحدهم في وسط الصورة ويبدو عليه الهيبة.

لكن المؤسسات وحدها لا تصنع دولة مستقرة.

فالأرض التي وحّدها الملك عبدالعزيز كانت شاسعة، والمسافات بين مدنها وقراها طويلة، والسفر فيها شاق، وكانت طرق الحج والتجارة تحتاج إلى الأمن والاستقرار.

ولذلك كان تثبيت الأمن من الأسس التي قامت عليها الدولة الجديدة، بالتوازي مع تطوير الخدمات المقدمة للحجاج وشق الطرق وتحسين وسائل المواصلات. سعوديبيديا

وكان لذلك أثر يتجاوز الجانب الأمني المباشر.

فالطريق الآمن يعني انتقال الناس.

وانتقال الناس يعني تجارة.

والتجارة تعني عمرانًا.

والاستقرار يسمح للتعليم والصحة والإدارة والاقتصاد بأن تنمو.

ولهذا فإن الأمن لم يكن نتيجة لبناء الدولة فحسب؛ بل كان شرطًا لبنائها.

العدل قبل الإدارة

وكان القضاء ركيزة أخرى في مشروع الدولة.

جعل الملك عبدالعزيز الشريعة الإسلامية مرجعًا للقضاء، واتجه في الوقت نفسه إلى تنظيم المحاكم وتحديد اختصاصاتها وإجراءاتها تدريجيًا. ومن الخطوات المبكرة في ذلك صدور تنظيم عام 1346هـ/1927م جعل المحاكم في الحجاز على ثلاث درجات وحدد اختصاصاتها. سعوديبيديا

وهنا يظهر مرة أخرى منهج التدرج.

لم يكن الهدف مجرد إصدار الأنظمة، وإنما الانتقال من أوضاع مختلفة بين المناطق إلى إطار قضائي أكثر انتظامًا داخل الدولة الواحدة.

فالحدود تستطيع أن تجمع الأرض سياسيًا، لكن العدل هو الذي يجعل الناس يشعرون بأنهم يعيشون تحت دولة.

ثم جاءت الثروة.. بعد الدولة

صورة بالأبيض والأسود لرجلين يجلسان معًا، أحدهما يرتدي الزي العسكري والآخر يرتدي زيًا تقليديًا، محاطان بمجموعة من الرجال الآخرين في الزي التقليدي.

ومن الأخطاء الشائعة في قراءة تاريخ المملكة أن تُروى نهضتها وكأن النفط هو الذي أنشأ الدولة.

والتسلسل التاريخي يقول شيئًا أكثر دقة.

فعندما أُعلنت المملكة العربية السعودية عام 1932م، كانت عملية بناء مؤسسات الدولة قد بدأت بالفعل قبل ذلك بسنوات؛ فمجلس الشورى بصورته التنظيمية كان قائمًا منذ 1927م، وكانت أجهزة حكومية تتشكل وتتطور. سعوديبيديا

ثم جاءت الموارد النفطية لتفتح أمام الدولة إمكانات اقتصادية أكبر.

وهذا فارق مهم:

الثروة لم تنشئ فكرة الدولة؛ وإنما جاءت إلى دولة كانت قد بدأت بالفعل بناء مؤسساتها.

ومع تحسن الموارد، أصبح من الممكن توسيع ما بدأ في سنوات الإمكانات المحدودة: طرق، وصحة، وتعليم، ومواصلات، ومؤسسات مالية وإدارية.

ومن أبرز مشروعات تلك المرحلة إنشاء خط سكة حديد الدمام–الرياض، وتطوير الخدمات المرتبطة بالحج، وإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي، وتوسيع أجهزة الدولة المختلفة. سعوديبيديا

رجل يعرف متى يستشير ومتى يقرر

وربما كان من أهم مفاتيح شخصية الملك عبدالعزيز الإدارية قدرته على الجمع بين أمرين قد يبدوان متعارضين:

الحزم والشورى.

فالشورى لم تكن تعني غياب القرار، والحزم لم يكن يعني الاستغناء عن المشورة.

كان يستمع إلى العلماء، وأهل الخبرة، والمستشارين، ورجال الدولة، ويُنشئ المجالس للنظر في شؤون البلاد، ثم تبقى مسؤولية اتخاذ القرار وإدارة الدولة واضحة.

وتكشف هذه الموازنة جانبًا مهمًا من تجربته:

لم يكن بناء المملكة مشروع رجل يعمل وحده، وإن كان هو قائد المشروع؛ وإنما كان يحتاج إلى رجال دولة، وقضاة، وعلماء، ومستشارين، وإداريين، وأبناء حمّلهم مسؤوليات متزايدة في إدارة أجزاء الدولة وأجهزتها.

وكان من أبرز ذلك إسناد إدارة شؤون الحجاز إلى الأمير فيصل بصفته نائبًا عامًا للملك، بينما كان الأمير سعود يتولى مسؤوليات في نجد، قبل أن يصبح وليًا للعهد عام 1352هـ/1933م. سعوديبيديا

كان الملك يبني الدولة، وفي الوقت نفسه يبني الرجال الذين سيديرونها.

أن تبني للمستقبل وأنت تعالج الحاضر

لعل أكثر ما يستحق التأمل في تلك المرحلة أن الملك عبدالعزيز لم يكن يبني دولة في ظروف مريحة.

كانت المسافات هائلة.

والطرق قليلة.

والموارد محدودة في مراحل التأسيس.

والتواصل بين أطراف البلاد ليس كما نعرفه اليوم.

ومع ذلك بدأت المجالس، والوزارات، والقضاء المنظم، والإدارة المالية، والصحة، والتعليم، والمواصلات، وتنظيم الحج، والعلاقات الخارجية.

وهذا يكشف فارقًا بين إدارة اليوم وبناء الدولة.

إدارة اليوم تسأل:

ماذا نحتاج الآن؟

أما بناء الدولة فيضيف سؤالًا آخر:

ماذا سيحتاج هذا الوطن بعد عشرين أو خمسين سنة؟

وهنا ربما تكمن إحدى أهم سمات رؤية الملك عبدالعزيز.

فلم يكن المطلوب بعد التوحيد أن تبقى المملكة موحدة في الخريطة فقط؛ بل أن تتحول وحدتها السياسية إلى وحدة مؤسسات وأنظمة ومصالح ومستقبل.

من الخريطة إلى المؤسسة

صورة تاريخية لمجموعة من الرجال يرتدون الملابس التقليدية العربية، يقفون ويتواجدون حول شخصية رئيسية تجلس على مقعد.

في المقال السابق قلنا إن الأول من الميزان كان اليوم الذي أصبح فيه للوطن اسم واحد.

أما السنوات التي تلته، فكانت سنوات العمل لكي يصبح لهذا الاسم:

إدارة.

وقضاء.

ومالية.

وتعليم.

وصحة.

وطرق.

وعلاقات خارجية.

ومؤسسات تستطيع حمل مسؤولية وطن يتسع ويتغير.

لقد كان توحيد المملكة إنجازًا عظيمًا في ذاته.

لكن عبقرية التأسيس تظهر أيضًا في إدراك حقيقة أخرى:

أن الأرض يمكن أن يوحدها القائد، أما الدولة فلا بد أن تبنيها المؤسسات.

ولهذا حين نستعيد صورة الملك عبدالعزيز، رحمه الله، لا ينبغي أن نتذكر فقط الفارس الذي استرد الرياض، والقائد الذي وحّد البلاد.

هناك صورة أخرى تستحق أن تبقى في ذاكرة الوطن:

عبدالعزيز رجل الدولة.

يجلس إلى مستشاريه، يستمع إلى رأي، ويناقش آخر، ويصدر نظامًا، وينشئ مجلسًا، ويسند مسؤولية إلى رجل، ويضع لبنة جديدة في مؤسسة لم تكن موجودة بالأمس.

فبعد أن انتهت رحلة جمع أجزاء الوطن تحت راية واحدة…

بدأت الرحلة الأصعب:

أن يتحول الوطن الموحّد إلى دولة قادرة على الاستمرار بعد مؤسسها.

وهذه، ربما، إحدى أعظم صفحات فكر عبدالعزيز في بناء الدولة.

إعلان أسفل المقالأضف إعلان Google AdSense أو بانر من: المظهر ← ودجات

اترك رد