أيام العرب -٢- يوم ذي قار.

إعلان داخل المقالأضف إعلان Google AdSense أو بانر من: المظهر ← ودجات

في فيحاءِ صيفٍ قائظٍ من جاهلية العرب ارتفعت شموس الظهيرة على رمال واحة ذي قار، تلك البقعة التي ستشهد أعظم بطولات العرب في وجه إمبراطورية الفرس. سكنت الريح لحظاتٍ وكأنما الصحراء تحبس أنفاسها انتظارًا لما سيأتي. اصطفت خيام قبائل بكر بن وائل على أطراف الماء القليل، وخلفها امتدت خطوط النخيل الواهنة تحت لهيب الشمس. في تلك الساعات الهادئة قبل العاصفة، كان الفرسان يتحسسون قبضات سيوفهم البواتر، ويحدقون في الأفق البعيد حيث يلوح غبار جيش كسرى الجرّار. وقف الشيوخ يتأملون السماء الصافية ويهمسون بالدعاء، فالكل يعلم أن ساعة الفصل قد دنت، وأن يومًا من أيام العرب الخالدة يولد عند ذي قار.

لم يكن هذا الجمع الحاشد إلا استجابة لصرخة الكرامة المهدورة. فقد بلغ العربَ أن كسرى أبرويز، ملك الفرس المتغطرس، قد استباح دم النعمان بن المنذر ملك الحيرة غدرًا، وطالب بوديعة نسائه وأهله وذخائره التي استأمن عليها شيخَ بكر بن وائل، هانيء بن مسعود الشيباني. أراد كسرى أن يُذل العرب في أعز ما يملكون؛ في أعراضهم وأماناتهم. فأبى هانئ أن يخون جواره وعهده، وقال كلمته الشهيرة: “المنية ولا الدنية” – أي موتٌ ولا ذلّ – ورفض تسليم الوديعة. عندها أقسم كسرى ليُبيدنَّ بني شيبان وقبائل بكر كافة، وجهَّز جيشًا عرمرمًا من أفضل فرسانه وأعوانه من بعض القبائل العربية الموالية للفرس، وأرسلهم ليستأصلوا شأفة الأحرار الذين تجرؤوا على عصيان أمره.

تسامعت قبائل بكر بن وائل بالخبر، فتهافتت بطونها تنجد إخوانها بني شيبان. توحدت فروع لم تجتمع من قبل؛ بنو عجل ويشكر وذهل وتيم اللات واللهازم وعبد القيس وغيرها، كلها لبت النداء ونضت عن كاهلها أحقاد الماضي. نسي القوم ثارات حرب البسوس وغيرها من وأد الخلافات، إذ أدركوا أن عدوهم المشترك لا يفرق بين بطون ربيعة العدنانية. انعقد مجلس الحرب تحت ظلال خيمة كبيرة في قلب المخيم، واجتمع زعماء القبائل وفي صدورهم نار تغلي. تناولوا الرأي فيما يصنعون أمام زحف الفرس الكاسح وعديدهم وعدتهم. أشار البعض بالانسحاب والتفرق في البيداء اتقاءً لبطش كسرى، فرأى آخرون أن ذلك مذلة وموت بطيء تحت وطأة الانتقام الفارسي. ساد صمت رهيب للحظات، فقطعه تقدم الفارس الشيخ حنظلة بن ثعلبة العجلي بخطى ثابتة إلى وسط المجلس. نظر حنظلة في وجوه الرجال نظرة الواثق، وصدح صوته الجهير بحزم: لا أرى إلا القتال! عندها تهللت وجوه الفرسان، وزالت سحابة الشك. لقد قالها حكيمهم بلا مواربة: لا مناص من المنازلة والموت دون الشرف.

نهض الشيخ هانئ بن مسعود بدوره، وكان ذا هيبة ووقار، فاعتلى مكانًا مرتفعًا بين صفوف المحاربين ليخطب في الجموع المحتشدة قبل المعركة. ارتفعت رايات العرب خلفه ترفرف رغم سكون الهواء، وكأن الأسلاف تحفهم برُوحها. خاطب هانئ قومه ببلاغة العربي الأصيل، مستنهضًا عزائمهم ومستثيرًا نخوتهم، وقال فيما قال: “يا معشر بكر، هالكٌ معذورٌ خيرٌ من ناجٍ فَرورٍ، إن الحَذَر لا يُنجِي من القدَر، وإن الصبر من أسباب الظَّفَر، المنيَّة ولا الدنيَّة، واستقبالُ الموتِ خيرٌ من استدباره!”. دوت كلماته في السهل المكشوف كأنها قرع الطبول في آذان الفرسان، فتهللت أساريرهم وارتفعت سيوفهم تومض تحت الشمس تأييدًا. أجل، الموت ولا العار؛ فإمّا ظفرٌ يُخلّد ذكرهم أو موتٌ يشرف به ذكرهم.

في تلك اللحظة تقدم حنظلة العجلي بفعل جريء خالد في الذاكرة: صاح بالرجال أن يثبتوا في مواقفهم، ثم أسرع إلى هودج زوجته فقطع حبال الهودج بسيفه المسلول حتى سقطت إلى الأرض. ذُهل القوم وهم ينظرون إليه يفعل ذلك بحرمته، لكنه أراد أن يقطع على قومه سبيل الفرار ويجعل ظهرهم للجدار. صرخ بأعلى صوته: “من ولّى مدبرًا فقد أسلم حليلته للسبي!” فارتعدت لها الفرائص وهبّ الرجال لهول المعنى. فهم الجميع مراده؛ لم يعد وراءهم إلا نساؤهم وأطفالهم، فإن انهزموا سباهم العدو واستباحهم شر إستباحة. فاختاروا موقف الأسد في عرينه: إما أن يحفظوا حرائرهم أو يهلكوا دونهن. وما إن فعل حنظلة صنيعه حتى تبعته إحدى نساء بني شيبان الجسورات – يقال إنها صفية بنت ثعلبة الشيبانية – فاستلت سيفًا من غمد أحد أقاربها، واندفعت تقطع حبال هوادج النساء جميعًا، فتهوى المحامل واحدة تلو الأخرى ويتناثر الصبية والحرائر على الرمال. علت صرخات النساء في الفضاء تستنهض رجولة الفرسان وتقطع عليهم طريق التراجع. تقدمت إحداهن من بني عجل ووقفت بين الصفوف، ورفعت صوتها الرخيم ترجز بأبياتٍ حماسية زلزلت القلوب:

إن تهزموا نعانقُ ونفرشُ النَّمارقَ
أو تُهزَموا نفارقْ فراقَ غيرِ وامقِ

تردد صدى كلماتها في الآذان: إن انتصرتم عدنا لمعانقة أحبابنا ونُعِّمنا لكم بالفُرش الوثيرة، وإن انهزمتم افترقنا عنكم للأبد فراقَ مَن لا يحب ولا يهوى! ومعنى هذا القول الجسور أجج نار الحمية في صدور الرجال، فصاحوا جميعًا صيحةً واحدة مزلزلة: “الموت الموت!” وانطلقت أصوات الزغاريد من حلوق النسوة تحدو الفرسان إلى المعركة وتدعوا لهم بالنصر أو الشهادة.

عند ذلك أقبل جيش الفرس الجرّار في فيالق متراصة كأنها جبل حديدي متحرك. ترجلت الشمس نحو الغروب رويدًا، فيما غبارهم يسبقهم كالغمامة السوداء. كان الفرس مدججين بأغلى الدروع وأقوى السلاح، يتقدمهم فيلاًن مهيبان زيّنا بحُللٍ مزخرفة ليروعا خيل العرب غير المعتادة على رؤية تلك الوحوش. وراء الأفيال تألقت أسنّة الرماح كالمرجان تحت وهج الشمس، وارتفعت البيارق الحريرية التي حملها جنود كسرى، تحفها أصوات الأبواق الفارسية تقرع فضاء المعركة بإيقاع غريب على مسامع البدو. الهامرز، قائد الفرس الشهير، على رأس كوكبة من فرسان الأساورة المدرعين من نخب جند كسرى، يتقدمهم مزهوًا بعدته وعدده. وإلى جانبه إياس بن قبيصة الطائي يحمل راية القبائل العربية الموالية للفرس: من بني تغلب والنمر وقضاعة وإياد، وقد لبسوا لامتهم واصطفوا كرهاً في صف الأعاجم. كان وقع أقدام هذا الجيش الثقيل يهز الأرض، فيما يتراءى لجموع العرب كأن ليوثًا جائعة توشك أن تنقض عليهم.

أما فرسان العرب من بني بكر وحلفائهم فاصطفوا صفوفًا متراصة على بطحاء ذي قار، مستترين بعض الشيء بصف من كثبان الرمل المنخفضة عند طرف الوادي. امتشقوا سيوفهم الرقيقة الحداد ورماحهم الطويلة اللامعة، ووقفوا بخشوع وصبر. مضى بينهم يزيد بن مسهر الشيباني يحمل لواء بكر بن وائل، يمر بصفوفهم كالصقر عيناه تقدحان نارًا، ويقول: “اثبتوا… واذكروا ودائع النعمان وأمانة هانئ وشرف العرب!” فيردون عليه همسًا: “نثبت ما دام فينا عرق ينبض.” خيولهم العربية الأصيلة تزفر وتخبط الأرض بحوافرها، تتحفز للكرِّ، وجباه الفرسان تتصبب عرقًا تحت الخوذ الجلدية والنحاسيات، لكن العيون لا ترمش وهي شاخصة ترقب زحف العدو. وعلى ميمنة العرب وقف المحارب الحوفزان الشيباني قابضًا على رمحه كأنه جزء من ذراعه، وعلى الميسرة انتصب حنظلة العجلي ممتشقًا سيفه مستعدًا ليذود عن قومه حتى النفس الأخير. وفي القلب كان هانئ بن مسعود نفسه يشرف على الصفوف ويدعو الله في سره. لحظات مشحونة بالرهبة والعزيمة مرت بطيئة ثقيلة، ثم دوّى صوت قرع الطبول من طرف الفرس معلنًا بدء المنازلة.

تقدم من صفوف الفرس فارسٌ ضخم الجثة بين فيلين، وصرخ بالعربية بلكنة أعجمية: “هل من مبارز؟” كانت تلك عادة المعارك عند العرب: أن تبدأ بمبارزات الأبطال قبل الالتحام العام. تحدّى الفارسُ الفارسي مقاتلي بكر بن وائل بسخرية وتهكم، ظنًا منه أنهم سيرهبون من هيئته ومنظره فوق جواده المشكَّل بالدروع. فوثب من صف العرب فارسٌ شاب من بني شيبان لا يُعرف اسمه في التاريخ – ربما كان بطلًا من عامة الفرسان – وانطلق كالسهم صارخًا “أنا له!”. لم تمض إلا لحظات حتى التقيا في وسط الميدان، فاحتد غبار تحتهما وعلا النقع. دار بينهما طعنان خاطفان رأى خلالهما جيش العرب طيف رمحين يلمعان في وهج الشمس، ثم عُلقت الأنفاس لحظة قصيرة. فجأة علا صهيل جواد العربي المنتصر، وانقشع الغبار عن الفارس الفارسي وقد اخترق رمح الشيباني صدره، فسقط عن فرسه مجندلًا يتخبط بدمه. ارتفعت هتافات العرب للبارز الشجاع الذي لم يمهِل خصمه طويلًا؛ لقد أكرم ساحة المعركة ببداية مشرّفة ورفع معنويات أصحابه.

غضب القائد الفارسي الهامرز حين رأى بطلًا من جنوده يلقى حتفه بهذه السرعة، فاستشاط حنقًا وبرز بنفسه إلى الساحة يطلب المبارزة فورًا. كان الهامرز معروفًا بالفروسية والبأس، فاستبشر بعض الفرس ظانين أن العرب سيهابونه. وما إن دعا الهامرز للبراز، حتى انطلق له على الفور فارس عربي آخر دون تردد؛ إنه الحَوْفَزان الشيباني الذي كان يتربص لمثل هذه اللحظة. تقابلا في مبارزة خاطفة لا يُسمع فيها إلا صليل الحديد. حاول الهامرز بطش خصمه بضربة ثقيلة من سيفه، فتلقاها الحوفزان بترسه ثم أفلت بسرعة من أمام جواد الفارسي ملتفًا حوله كالصقر، وفي غمضة عين انغرست رمحه في ظهر الهامرز وأسقطه عن سرجه صريعًا يتخبط في التراب. ذُهِل جند فارس مما رأوا؛ قائدهم صُرع أمام أعينهم على يد فارس بدوي! ساد الاضطراب لحظات في صفوف الفرس، وما لبث أن دوى صوت إياس بن قبيصة يصرخ بجنده المرتزقة العرب أن اثبتوا مكانكم، فاستحث بذلك همم جنود فارس لاستعادة النظام.

عندها اندفع سيلُ العرب كالإعصار الهادر من مكمنه. صرخ هانئ بن مسعود: “الهجوم الآن؛ كرّوا ككرة الليث وعضّوا على الموت بنواجذكم!” فأنطلق فرسان بكر ومن معهم كالسهم نحو خضمّ العدو، وتلاقى الجمعان في صدمة عنيفة ارتجت لها الأرض وارتفعت سحب الغبار تغشى الأبصار. دارت رحى حرب طاحنة لا يسمع فيها سوى صليل السيوف وصرخات المحاربين وصيحات التكبير المجلجلة من نحور العرب. قاتل العرب ببسالة نادرة؛ سيوفهم البيضاء تحصد رؤوسًا وتتلقف الأرواح، ورماحهم الثابتة تستقبل صدور الخيالة الفرس الذين أثقلهم درعهم. امتزج وهج السيوف ببريق الشمس، فكأن شهابًا ناريًا ينتشر فوق ساحة الوغى. تناثرت خيول جند فارس وهاموا في كل اتجاه حين نالت منهم رماح العرب، فاختلطت صفوفهم كحبّات العقد انفرطت. ولما أمال الفرس أقواسهم وأطلقوا وابلاً من السهام، رفع العرب دروعهم وصدور إبلهم اتقاءً لها ثم اندفعوا يشتبكون عن قرب، فعجز الفرس في خيلهم عن المناورة في الرمال بعد أن أثخنتهم العطش والحرارة. وجندُ كسرى غداةَ الحنوِّ صبّحهم منّا كتائبُ تُزجي الموتَ فانصرفوا – هكذا وصف شاعرهم تلك الوقائع حيث أناخت كتائب بكر على الجيش الفارسي من الصباح وأذاقته الموت الزؤام حتى بدأ يضطرب وينكسر. ومع اشتداد القتال، علت أصوات التكبير وزئير الرجال وخارت قوى الفيلة المجلوبة حين أوجعتها حراب العرب فأخذت ترجع القهقرى وتتراجع تدوس في تراجعها جنود فارس أنفسهم، مما زاد الاضطراب في صفوف العجم.

وفي أوج المعمعة، إذ اشتجر النبل بالرماح وتلاحمت السيوف بالتروس، وقعت المفاجأة التي قلبت موازين المعركة رأسًا على عقب: فجأة علت صيحات في صفوف الفرس بلغتهم تأمر بالثبات، لكن لواء قبيلة إياد العربية الذي كان مع الفرس هوى إلى الأرض! فقد آثر بنو إياد، الذين كانوا منذ البدء على كره لمناصرة الأعاجم، أن يغدروا بجيش كسرى في أحرج اللحظات وفاءً لخطة دُبرت سرًا مع أبناء عمومتهم من بكر. انحاز فرسان إياد بخفة وحنكة إلى جانب إخوتهم العرب صارخين: “نصرٌ للعرب!”، فالتفت الفرس ليجدوا أن ظهرهم قد تعرّى وفقدوا سندهم. انتشر الذعر في قلوب الفرس من هذا الخذلان المباغت؛ جيشهم يتحلل من الداخل وبعض فرسانه يولّون الأدبار بعد أن رأوا الموت محدقًا. فما هي إلا لحظات حتى علت أصوات الهزيمة من جهة معسكر الفرس، وبدأ جنود كسرى يتراجعون تحت وطأة الضربات العربية وطعَنات الغدر من حلفاء الأمس. ظهرت علامات الإنهاك والظمأ الشديد على فلول الفرس تحت حر شمس تموز، فكانوا يتساقطون صرعى أو يفرون طلبًا للماء والحياة ولا ماء لهم إلا ما بأيدي العرب. عندئذ علت صيحة العرب بالنصر، وفرّ من بقي من جنود فارس لا يلوون على شيء، تاركين خلفهم قتلاهم وجرحاهم غارقين بدمائهم فوق الرمال الحارقة. وخيلُ بكرٍ فما تنفكُّ تطحنهم حتى تولّوا، وكاد اليومُ ينتصف – أي استمرت خيول بكر تطحن فلولهم حتى ولوا هاربين وقد قارب النهار منتصفه. لقد انقشع غبار المعركة عن مشهد لم يتخيله العرب يومًا: جيش كسرى العظيم مدحورٌ تلتهم أشلاؤه أرض ذي قار، ورايات فارس ملقاة في الوحل، وأبطال العرب يلوّحون بسيوفهم المنصورة وسط تكبيرات الفرح وتهليل الظافرين.

انتهت المعركة بنصر مبين لم يكن في حسبان أقوى المتفائلين من العرب. اجتمع سادة بكر يتفقدون حالهم بعد القتال، فإذا القوم لم يفقدوا إلا عددًا قليلًا من الشهداء نسبيًا، بينما كان جيش الفرس قد تفانى بكامله إلا من فرَّ هاربًا تحت جنح الخزي. جلس هانئ بن مسعود تحت ظل خيمته المتربة بعد المعركة، يحمد الله على هذا الظفر المؤزر. أقبل عليه الفرسان يهنئونه ويقبّلون رأسه إذ حفظ أمانته وذمامه ونصر الله جواره. أما الحرائر اللواتي وقفن طوال المعركة يراقبن بقلوب واجفة، فقد جئن يزغردن ويُفرغن قوارير المسك والعطور على رؤوس الأبطال العائدين، حتى شاع العطر في ساحة المعركة امتزاجًا برائحة العرق والدم. نساء القبائل حملن صحاف الذهب والفضة التي غنمها العرب من معسكر الفرس المترَف، وأخذن ينثرن المسك تكريمًا للمقاتلين ويضمدن جراح الجرحى بلمسات حانية ودموع الفرح. لقد كان مشهدًا تهتز له النفس زهواً؛ فها هم العرب لأول مرة في تاريخهم الحديث يُلقّنون إمبراطورية فارس درسًا قاسيًا في عقر أرضهم، ويرفعون رؤوسهم عالياً بين الأمم.

حين تناهت أخبار هذا الانتصار العظيم إلى أسماع العرب في كل جزيرة العرب، طاروا به فرحًا وفخرًا. أُقيمت مجالس الشعر في الأنحاء للتغني ببطولة يوم ذي قار، وتسابق الشعراء – في البوادي والمدن – لوصف عظمة ما جرى. فقد أدرك العرب جميعًا، حتى من لم يشارك منهم في القتال، أن هذا اليوم يومهم أجمعين؛ يوم ارتفعت فيه راية العرب عالية فوق جبروت فارس. قيل في الأخبار إن رسول الله محمدًا ﷺ وهو بالمدينة لما بلغه نبأ هذا النصر قال: “هذا أول يومٍ انتصفت فيه العربُ من العجم” تعظيمًا لشأنه. وأصبح يوم ذي قار نبراسًا تتغنى به الأجيال وتضرب به الأمثال في الشجاعة والتكاتف. أنشد الأعشى القيسي شاعر بكر بن وائل مفتخرًا بهذا اليوم في قصيدة رائعة خلدت الواقعة في ذاكرة العرب:

وخيلُ بكرٍ فما تنفكُّ تطحنهم ** حتى تولّوا وكاد اليومُ ينتصفُ
لو أن كلَّ معدٍّ كان شاركنا ** في يومِ ذي قارٍ لما أخطاهُمُ الشرفُ

بهذه الأبيات وغيرها سجّل العرب فخرهم بأن الشرف الذي نالوه في ذي قار ما كان ليفوت أحدًا منهم لو حضر تلك الملحمة. لقد تجسد في يوم ذي قار معنى البطولة والإباء العربي بأسمى صوره؛ يومٌ اجتمعت فيه كلمة العرب على قلب رجل واحد فانتصروا رغم قلة العدد وخذلان بعض ذوي القربى. وهكذا دوّى صدى ذي قار في الصحراء، وانتشر خبره حتى سرى في أوصال العرب عزة جديدة وثقة بالنفس لم يألفوها من قبل. أيقنوا أن الوحدة والعزيمة سلاحٌ يمكّنهم من قهر أعظم الإمبراطوريات. وظلّت ذكرى ذلك اليوم خالدة في ضمير الأمة، نبراسًا وملهِمًا للأجيال اللاحقة في معاركها ومواقفها؛ فقد وقر في الوجدان الجمعي أن إرادة العرب إذا اجتمعت لن تكسرها قوة في الأرض. لقد كان يوم ذي قار حقًّا ملحمةً تأسطورية تُروى عبر الزمان، لما حمله من دروس التضحية والوفاء والشجاعة، وبقي رمزًا لأول نصر عربي مؤزر على العجم، توارثت المجدَ أخلافٌ عن أسلاف، وانبلج فجرٌ جديد لعزة العرب من غسق تلك الليلة الدامية، فكان حقًا يومًا من أيّام العرب التي لا تُنسى.

إعلان أسفل المقالأضف إعلان Google AdSense أو بانر من: المظهر ← ودجات

اترك رد