في ذاكرة الوطن (1) يوم الأول من الميزان.. حين أصبح للوطن اسم واحد

إعلان داخل المقالأضف إعلان Google AdSense أو بانر من: المظهر ← ودجات
اجتماع تاريخي لعدد من الرجال يرتدون الملابس التقليدية العربية، يتناقشون حول خريطة على الطاولة، مع وجود علم سعودي في الخلفية.

هناك أيام تمر في عمر الأمم كما تمر سائر الأيام، وهناك أيام لا تنقضي بانقضاء ساعاتها؛ لأنها تتحول إلى ذاكرة، وتصبح نقطةً يعود إليها التاريخ كلما أراد أن يروي كيف بدأت الحكاية.

وكان الخميس، الأول من الميزان، 21 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932م واحدًا من تلك الأيام.

في ذلك اليوم لم تظهر أرض جديدة على الخريطة، ولم يبدأ تاريخ هذه البلاد من الصفر، ولم يكن الإعلان بداية قصة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في توحيد أجزائها؛ فقد سبقت ذلك سنوات طويلة من الكفاح والبناء وتوحيد مناطق البلاد تحت سلطته.

لكن شيئًا بالغ الأهمية حدث في ذلك اليوم:

أصبح للوطن اسم واحد.

قبل ذلك بأربعة أيام، صدر الأمر الملكي في السابع عشر من جمادى الأولى سنة 1351هـ، معلنًا تحويل اسم «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها» إلى اسم سيبقى منذ ذلك الحين عنوانًا لهذه البلاد:

«المملكة العربية السعودية».

ولم يكن اختيار يوم الإعلان عابرًا؛ فقد نص الأمر الملكي على اختيار يوم الخميس، الحادي والعشرين من جمادى الأولى، الموافق للأول من الميزان، يومًا لإعلان توحيد المملكة.

ومن هنا دخل الأول من الميزان ذاكرة الوطن.

ولعلنا حين نقرأ الحدث بعد أكثر من تسعة عقود، يصعب علينا أن نستشعر وقع تلك الكلمات على أبناء ذلك الزمن؛ فنحن وُلدنا والاسم موجود، وقرأناه في كتبنا، ورأيناه على جوازات سفرنا ووثائقنا، وسمعناه في نشرات الأخبار، وارتبط في أذهاننا بأرض تمتد من الخليج العربي شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا.

أما أولئك الذين عاشوا ذلك الصباح، فقد كانوا يشهدون لحظة مختلفة.

كانوا يرون أسماء متعددة ومناطق متباعدة وتجارب تاريخية طويلة تجتمع رسميًا تحت اسم سياسي واحد.

المملكة العربية السعودية.

واللافت في وثيقة الإعلان أنها لم تكن مجرد إعلان لتغيير الاسم؛ بل حملت في موادها ملامح الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة الموحدة. فقد أبقت المعاهدات والاتفاقات والالتزامات القائمة نافذة، وأبقت التنظيمات والتعليمات السابقة سارية، ووجهت إلى وضع أنظمة للمملكة وتشكيلات حكومية تقوم على أساس الوحدة الجديدة.

ولهذا يمكن قراءة الأول من الميزان بوصفه أكثر من مناسبة سنوية؛ إنه الحد الفاصل بين مرحلة توحيد الأرض ومرحلة تنظيم الدولة الواحدة تحت اسمها الجديد.

فالملك عبدالعزيز لم يصل إلى ذلك اليوم بطريق قصير.

من استرداد الرياض سنة 1319هـ/1902م، بدأت رحلة طويلة امتدت قرابة ثلاثة عقود، تغيرت خلالها الخريطة السياسية للجزيرة العربية شيئًا فشيئًا، حتى أصبح الإعلان عن المملكة تتويجًا لمسيرة سبقت الاسم بسنوات.

وهنا تكمن إحدى الدلالات الجميلة في تاريخ الوطن:

الدولة سبقت اسمها، والوحدة سبقت إعلانها.

فالأسماء الكبيرة لا تصنع الأوطان بمجرد إعلانها، وإنما تأتي أحيانًا بعد أن تكون التضحيات قد مهدت لها، والرجال قد حملوا أعباءها، والأرض قد اجتمعت، والناس قد بدأوا العيش في ظل كيان واحد.

ثم يأتي الاسم ليختصر كل ذلك.

ولهذا لم تكن الكلمات الثلاث:

المملكة العربية السعودية

مجرد تسمية جغرافية جديدة.

كانت إعلانًا بأن نجدًا والحجاز والأحساء وعسيرًا وغيرها من أجزاء البلاد لم تعد تُقرأ بوصفها كيانات سياسية منفصلة، وإنما أجزاء من وطن واحد، له ملك واحد واسم واحد ومستقبل واحد.

ومنذ ذلك اليوم تغيرت أشياء كثيرة.

تعاقبت الأجيال والملوك، ونشأت المدن واتسعت، وامتدت الطرق، وظهرت الجامعات والمطارات والمصانع، وتغير شكل الاقتصاد والمجتمع، وانتقلت المملكة من بدايات بناء مؤسسات الدولة الحديثة إلى دولة ذات حضور إقليمي ودولي واسع.

وبقي الاسم.

المملكة العربية السعودية.

ربما لهذا السبب تحديدًا يستحق الثالث والعشرون من سبتمبر أن يُقرأ من حين إلى آخر بعيدًا عن مظاهر الاحتفال المعتادة.

أن نعود إليه بوصفه وثيقة في ذاكرة الوطن.

أن نتخيل صباح ذلك الخميس من عام 1932م، وأن نسأل أنفسنا: كيف كان شعور إنسان عاش في تلك الأرض وهو يسمع للمرة الأولى أن البلاد التي يعرفها أصبحت منذ ذلك اليوم تحمل اسمًا جديدًا؟

اسمًا لم يكن يدري أنه سيبقى بعده لأجيال، وسيحمله أبناؤه وأحفاده، وسيُكتب على ملايين الوثائق، ويرفع في المحافل الدولية، ويصبح جزءًا من تعريف الإنسان بنفسه:

سعودي.

لقد مضى ذلك الخميس منذ زمن بعيد.

لكن بعض الأيام لا تنتهي عند غروب شمسها.

والأول من الميزان واحد منها.

إعلان أسفل المقالأضف إعلان Google AdSense أو بانر من: المظهر ← ودجات

اترك رد